الصمت: أعلى الأصوات
لو سألتَ أحدهم: ما الضد الحقيقي للصمت؟ لقال لك فورًا: الكلام. لكنه مخطئ.
ضد الصمت ليس الكلام. ضده الضجيج. والفرق بينهما كالفرق بين المطر والفيضان، كلاهما ماء، لكن أحدهما يُحيي والآخر يُدمّر.
الصمت الذي نهرب منه
لاحظ نفسك لدقيقة واحدة.
حين تصحو صباحًا، أول شيءٍ تفعله؟ هاتفك. حين تأكل وحدك؟ شاشة. حين تنتظر أحدًا؟ سماعاتك في أذنيك. حين تنام؟ موسيقى أو بودكاست حتى يغلبك النوم.
نحن لا نعطي الصمت فرصة. بل أكثر من ذلك، نخاف منه.
لكن لماذا؟
لأن الصمت لا يجلب الفراغ. يجلب الأسئلة. وكثيرٌ منا لا يريد أن يسمع أسئلته الداخلية، لأنها لا تملك إجابات جاهزة.
ما الذي يقوله الصمت؟
الصمت لا يتكلم بالكلمات. يتكلم بما هو أعمق منها.
حين تجلس في صمتٍ حقيقي لأول مرة منذ زمن، تبدأ تسمع نفسك. تسمع ما تريده فعلًا لا ما قيل لك أن تريده. تسمع ما يؤلمك فعلًا لا ما تسمح لنفسك بالاعتراف به.
الصمت مرآة. والمرايا مُزعجة أحيانًا.
يقول الفيلسوف بليز باسكال في جملةٍ لا تُنسى: "كل مشكلات الإنسان تأتي من عجزه عن الجلوس وحيدًا في غرفة بهدوء."
الصمت بين الناس
أجمل الصمت ليس ذاك الذي تقضيه وحدك، بل ذاك الذي يجمعك مع إنسانٍ آخر دون أن تحتاج إلى ملئه بالكلام.
حين تجلس مع أحدهم في صمتٍ مريح، فاعلم أنك وصلتَ معه إلى مكانٍ نادر. لأن الصمت المريح لا يحدث إلا بين من يثق كل منهم بالآخر ثقةً كافية لألا يتظاهر.
الكلام أحيانًا يُبعّد. والصمت أحيانًا يُقرّب.
الصمت والقوة
المجتمع علّمنا أن من يتكلم كثيرًا هو الأقوى. أن الصامت خجولٌ أو ضعيف أو ليس لديه ما يقوله.
لكن التاريخ يقول غير ذلك.
أعمق الحكماء كانوا أقلّ الناس كلامًا. لأنهم فهموا شيئًا بسيطًا: الكلام يُفرّغ، والصمت يملأ. من يتكلم كثيرًا يُبدّد طاقته، ومن يصمت كثيرًا يُراكمها.
الصمت ليس غياب الكلمة. هو حضور الفكرة.
خاتمة
لا تملأ كل فراغ بكلام. لا تهرب من كل لحظة هادئة بضجيج.
أعطِ نفسك دقائق كل يوم لا تفعل فيها شيئًا ولا تسمع فيها شيئًا. فقط أنت وصمتك.
ستجد في البداية أنه مُزعج. ثم مألوف. ثم ضروري.
لأن أعمق ما ستسمعه في حياتك لن يقوله لك أحد. ستقوله أنت لنفسك، في لحظة صمتٍ كافٍ.
متى كانت آخر مرة جلستَ فيها بلا هاتف ولا صوت ولا أحد؟

تعليقات
إرسال تعليق