الوحدة: الإنسان غريب في عالمه
منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا الوجود، وهو يحمل في أعماقه شعورًا غريبًا لا يُفسَّر ولا يُوصَف تمامًا، شعورٌ بأنه ليس في مكانه الصحيح، بأن ثمة هوّةً سحيقة بينه وبين كل ما حوله، حتى بينه وبين من يُحبهم. هذا الشعور له اسمٌ واحد: الوحدة.
لكن الوحدة التي نتحدث عنها هنا ليست وحدة الغرفة الخالية، ولا وحدة من لا أصدقاء له. إنها وحدةٌ أعمق وأكثر إيلامًا، وحدةٌ وجودية تسكن الإنسان حتى وهو محاطٌ بالناس.
الغربة الأولى: حين وُلدتَ وحيدًا
لم يختر أحدٌ منا أن يأتي إلى هذا العالم. أُلقينا فيه دون إذنٍ ودون خريطة، في جسدٍ لم نطلبه، وفي زمنٍ لم نحدده، وفي ثقافةٍ شكّلتنا قبل أن نملك القدرة على الاعتراض.
يقول الفيلسوف مارتن هايدغر إن الإنسان "مرميٌّ" في العالم، Throwness، يعني أنك لم تختر نقطة البداية، وهذا الإلقاء القسري هو جوهر الغربة الإنسانية. أنت غريبٌ لأنك لم تُدعَ، بل أُرسِلتَ.
الوحدة في قلب الزحام
الأكثر إيلامًا أن تشعر بالوحدة وأنت بين الناس. أن تضحك مع الآخرين وفي داخلك صمتٌ ثقيل. أن تتحدث ساعاتٍ طويلة دون أن تقول شيئًا حقيقيًا.
يُسمّي الفيلسوف سورين كيركغارد هذه الحالة بـ"اليأس الخفي"، حالةٌ يعيشها الإنسان دون أن يُدركها في أغلب الأحيان. إنه يركض ويضحك ويعمل ويُحبّ، لكنه في قرارة نفسه لا يعرف مَن هو ولا لماذا هو هنا.
وربما هذا هو السبب في أن كثيرًا من الناس يملؤون صمتهم بالضجيج، يُشغلون أنفسهم بكل شيء لأن التوقف يعني المواجهة، ومواجهة الوحدة أمرٌ لا يُطاق.
هل الآخرون يفهموننا حقًا؟
الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور كان صريحًا بقسوة حين قال إن التواصل الحقيقي بين البشر وهمٌ جميل. كل إنسانٍ يعيش داخل عالمه الخاص، محاطٌ بجدرانٍ من التجارب الخاصة والمشاعر الخاصة والذكريات الخاصة، ولا يستطيع أن ينقل هذا كله بكماله إلى أحد.
حين تقول "أنا حزين" فأنت لا تنقل حزنك، بل تنقل كلمة. والكلمة ليست الشعور.
هذه الهوّة بين ما نشعر به وما نستطيع التعبير عنه هي أحد أعمق مصادر الوحدة الإنسانية.
الغربة عن الذات
والأعجب من كل ذلك أن الإنسان في أحيانٍ كثيرة لا يعرف نفسه. تمر لحظاتٌ يتساءل فيها: مَن أنا فعلًا خارج الأدوار التي أؤديها؟ خارج ابن فلان، وزوج فلانة، وموظف المؤسسة الفلانية؟
يقول كامو إن الإنسان يعيش معظم حياته بالأتمتة، يفعل ما يُفترض أن يفعله دون أن يسأل لماذا. وحين يسأل، تبدأ الغربة الحقيقية، غربة الإنسان عن ذاته.
هل الوحدة لعنةٌ أم حقيقة؟
ربما الخطأ الذي نرتكبه هو أننا نظن الوحدة مشكلةً يجب حلّها. لكن الفلاسفة الوجوديين يرون فيها شيئًا آخر: إنها الحقيقة العارية للوجود الإنساني.
أنتَ وحيدٌ لأنك فردٌ لا يُكرَّر. لأن تجربتك الداخلية لا يشاركك إياها أحد. ولأن الموت، حين يأتي، سيأتي وحده، لك أنت تحديدًا، لا لأحدٍ سواك.
لكن في هذه الوحدة ذاتها تكمن عظمة الإنسان. فمن الوحدة وُلدت أعمق الفلسفات، وأصدق الأشعار، وأجمل الفنون. الوحدة ليست فراغًا، بل هي الحيّز الذي يجرؤ فيه الإنسان على أن يكون نفسه.
خاتمة
في نهاية المطاف، ربما لا يوجد علاجٌ للوحدة الوجودية، لأنها ليست مرضًا. إنها الثمن الذي يدفعه كل كائنٍ واعٍ مقابل أن يكون واعيًا.
أن تشعر بالغربة دليلٌ على أنك تفكر. وأن تفكر دليلٌ على أنك هنا، وهذا وحده ليس بالأمر الهيّن.

تعليقات
إرسال تعليق