الإنسان البريء: هل وُلدنا طيّبين؟


حين تنظر إلى طفلٍ حديث الولادة، لا ترى فيه كذبًا ولا حقدًا ولا خيانة. ترى براءةً صافية، عيونًا تنظر إلى العالم لأول مرة دون أحكامٍ مسبقة ودون جروح متراكمة. ثم تنظر حولك في العالم وترى ما يكفي من الظلم والقسوة والخداع، فتسأل نفسك: أين ذهبت تلك البراءة؟ بل السؤال الأعمق: هل كانت حقيقيةً أصلًا؟


سؤالٌ شغل الفلاسفة قرونًا

هذا السؤال ليس جديدًا. إنه واحدٌ من أقدم الأسئلة التي أرّقت العقل البشري وفرّقت المفكرين إلى معسكرين لا يكاد يلتقيان.

جان جاك روسو وقف في أحد الطرفين وقال بثقة: الإنسان بريءٌ بطبعه، طيّبٌ بفطرته. لكن المجتمع هو من أفسده. الحضارة بقوانينها وتراتبيتها وصراعاتها على المِلك والسلطة هي التي حوّلت هذا الكائن النقي إلى ما نراه اليوم. الإنسان الأول كان حرًا وبسيطًا وسعيدًا، أما الإنسان المتحضر فهو إنسانٌ مُقيَّد بأغلالٍ صنعها بيده.

في الطرف الآخر وقف توماس هوبز وقال عكس ذلك تمامًا: الإنسان في طبيعته الأصلية ذئبٌ لأخيه الإنسان. بلا قوانين وبلا سلطةٍ رادعة، ستكون الحياة، على حد تعبيره الشهير، "وحيدةً وفقيرةً وبائسةً وبهيميةً وقصيرة". البراءة وهمٌ جميل، والمجتمع لم يُفسد الإنسان بل كبّح وحشيّته.


والحقيقة في المنتصف؟

ربما لم يكن أيٌّ منهما مخطئًا تمامًا، ولا مصيبًا تمامًا.

علم النفس الحديث يقول إن الإنسان يُولد بطاقةٍ هائلة على الخير وعلى الشر في آنٍ واحد. الطفل الصغير يُظهر تعاطفًا فطريًا حين يرى طفلًا آخر يبكي، لكنه أيضًا يُظهر أنانيةً فطرية حين يتعلق بلعبته ولا يريد مشاركتها. كلاهما حقيقيٌّ، وكلاهما إنساني.

ما يُقرر أيّهما سيكبر ويهيمن هو البيئة والتجارب والاختيارات المتراكمة على مدى سنين.


البراءة الأولى: ما الذي نفقده فعلًا؟

حين يكبر الإنسان، لا يفقد طيبته بالضرورة. لكنه يفقد أشياء أخرى لا تقلّ أهمية.

يفقد الدهشة. الطفل يرى النملة تحمل حبةً أكبر منها فيتوقف مذهولًا. البالغ يمشي فوقها دون أن يرفّ له جفن.

يفقد الثقة الكاملة. الطفل يمدّ يده لكل غريب. البالغ يزن كل إنسانٍ قبل أن يُقرّر كم يُعطيه من نفسه.

يفقد العيش في اللحظة. الطفل لا يعرف الأمس ولا الغد، هو هنا الآن بكل ما فيه. البالغ يحمل ماضيه في يدٍ ومستقبله في الأخرى، ويكاد لا يجد مكانًا للحاضر.

لكن هل هذا الفقدان شرٌّ كله؟


البراءة والسذاجة: فرقٌ جوهري

ثمة خلطٌ شائع بين البراءة والسذاجة. البراءة فضيلة، أما السذاجة فهي غفلة.

البريء هو من يختار الخير مع معرفته بالشر. هو من رأى الخداع وعرف القسوة وعاش الخسارة، ومع ذلك قرّر ألا يدع كل ذلك يُحوّله إلى نسخةٍ مما آلمه.

أما الساذج فهو من لم يتعلم بعد. والفرق بينهما ليس في ما يعرفانه، بل في ما يختارانه بعد المعرفة.

البراءة الحقيقية ليست غياب التجربة، بل هي الصمود أمامها دون أن تفقد إنسانيتك.


حين يُجبَر الإنسان على أن يكفّ عن البراءة

ليس كل من فقد براءته اختار ذلك. بعضهم أُجبر على ذلك.

الطفل الذي نشأ في بيتٍ تسوده القسوة تعلّم أن العالم خطر قبل أن يتعلم أنه جميل. الإنسان الذي خُدع في أعزّ لحظاتٍ ضعفه لن يجد في نفسه السهولة ذاتها ليثق مرةً أخرى. والذي ظُلم ولم يجد منصفًا سيحتاج وقتًا طويلًا قبل أن يؤمن بالعدل من جديد.

هؤلاء لا يُلامون. إنهم لم يتخلوا عن براءتهم، بل سُرقت منهم. والفرق بين التخلي والسرقة فرقٌ أخلاقي عميق.


هل يمكن استعادة البراءة؟

ليس بالمعنى الحرفي. لا يمكنك أن تعود إلى ما كنته قبل أن تتألم وتتعلم وتخسر. تلك النسخة منك ذهبت إلى غير رجعة.

لكن ثمة ما يشبه البراءة المكتسبة، وهي أعمق وأجمل من البراءة الأولى لأنها اختيار واعٍ لا غفلةٌ فطرية.

هي أن تقرر بعد كل ما رأيت أن تظل منفتحًا. أن تمنح الثقة مرةً أخرى بعد أن خُدعت. أن تعجب بشيءٍ بسيط بعد أن أثقلتك التعقيدات. أن تُحسن الظن لا لأنك لا تعرف الشر، بل لأنك قرّرت ألا تدعه يُعرِّف علاقتك بالناس.


خاتمة: البريء الأخير

في نهاية المطاف، ربما أنقى صورة للإنسان البريء ليست طفلًا لم يعرف الحياة بعد، بل إنسانٌ عاش كل شيء وبقي رغم ذلك طيبًا.

من لم يُجرّب الخيانة لا يعرف كم يكلّف الوفاء. ومن لم يعرف الظلم لا يعرف كم يستحق العدل. والذي آثر البراءة بعد كل ما مرّ به ليس ساذجًا، بل هو أشجع الناس.

لأن أن تبقى بريئًا في عالمٍ يُعلّمك كل يوم أسبابًا للقسوة، هو في حد ذاته شكلٌ من أشكال البطولة.


هل تظن أن الإنسان يُولد طيبًا ويتعلم الشر، أم يُولد بهما معًا ويختار أيّهما يكون؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النفس البشرية