الندم: الجرح الذي نحفره بأيدينا


ثمة نوعٌ من الألم لا يأتيك من الخارج. لا أحد آذاك، ولا ظرفٌ قسا عليك. أنت من فعله بنفسك. أنت من اتخذ القرار، أو لم يتخذه. أنت من قال، أو صمت. أنت من مشى، أو بقي.

ثم جاءت اللحظة التي رأيت فيها ما كان يمكن أن يكون، فأدركت أنك أخطأت. وبدأ الندم.


ما الندم فعلًا؟

الندم ليس مجرد حزنٍ على الماضي. الحزن يأتيك من فقدان شيء. أما الندم فيأتيك من إدراك أنك كنت جزءًا من ذلك الفقدان.

هذا ما يجعله أثقل. لأنه لا يوجد من تلومه سواك.

الفيلسوف سارتر قال إن الإنسان "محكومٌ بأن يكون حرًا". وهذه الحرية تعني أن كل اختيار تتخذه هو مسؤوليتك وحدك. لا قدر يُلام، ولا أحد يتحمل عنك. أنت اخترت، وأنت تعيش النتيجة.

الندم هو الثمن الذي يدفعه الإنسان الواعي مقابل امتلاكه حرية الاختيار.


الندم على ما فعلنا وما لم نفعل

الدراسات النفسية تقول شيئًا مثيرًا: في المدى القصير، نندم أكثر على ما فعلناه. لكن في المدى البعيد، على مدى سنوات وعقود، نندم أكثر على ما لم نفعله.

على الكلمة التي لم نقلها. على الشخص الذي تركناه يمشي دون أن نمد يدنا. على الحلم الذي أجّلناه حتى صار ذكرى. على المخاطرة التي لم نجرؤ عليها.

ما لم يحدث يظل معلقًا في الهواء، كسؤالٍ بلا جواب. وهذا التعليق هو أشد أنواع الندم إيلامًا.


حين يتحول الندم إلى سجن

الندم في جرعته الطبيعية مفيد. يُعلّمك، يُنضجك، يجعلك تُفكر مرتين قبل أن تُكرر الخطأ ذاته.

لكن حين يتجاوز حجمه الطبيعي، يتحول إلى شيءٍ آخر تمامًا. يصير صوتًا داخليًا لا يصمت. يُعيد تشغيل المشهد ذاته مئة مرة. يطرح السؤال اللعين: "ماذا لو؟"

ماذا لو اخترت غير ذلك؟ ماذا لو بقيت؟ ماذا لو تكلّمت؟

وهذا السؤال خطير، لأنه لا إجابة له. الماضي انتهى، واللحظة التي أخطأت فيها لن تعود. وكل وقتٍ تقضيه في ذلك السؤال هو وقتٌ تسرقه من اللحظة الوحيدة التي تملكها فعلًا: الآن.


هل يمكن مسامحة النفس؟

هذا هو السؤال الأصعب.

كثيرٌ من الناس يجدون مسامحة الآخرين أسهل بكثيرٍ من مسامحة أنفسهم. لأن الآخر منفصلٌ عنك، بينما أنت لا تستطيع الهروب من نفسك.

لكن مسامحة النفس لا تعني أنك كنت على حق. تعني أنك تعترف بالخطأ، وتتعلم منه، وترفض أن يُعرِّف ما تبقى من حياتك.

أنت لم تكن في تلك اللحظة الشخص الذي أنت عليه اليوم. كنت تحمل ما كنت تحمله، وتعرف ما كنت تعرفه، وتخاف ما كنت تخافه. ومن لا يملك أكثر مما يملك لا يُعطي أكثر مما يُعطي.

الندم يقول لك: كان يمكن أن تكون أفضل. والمسامحة تقول لك: ستكون.


الندم والامتنان: وجهان لعملةٍ واحدة

المفارقة الجميلة أن الندم يُخبرك بما تُحبه. لا تندم إلا على ما يعني لك شيئًا. لا تندم على علاقةٍ إلا لأنها كانت تستحق. لا تندم على فرصةٍ إلا لأنها كانت حقيقية.

الندم خريطةٌ لقيمك. وإن نظرت إليه بعيونٍ مختلفة، وجدت في داخله دليلًا على ما تريد أن تفعله بما تبقى.

بدلًا من أن تسأل: "لماذا لم أفعل؟" اسأل: "ما الذي يقوله هذا الندم عما أريده فعلًا؟ وهل لا يزال بإمكاني أن أبدأ؟"


خاتمة

الندم جرحٌ حقيقي. لكن كل جرحٍ يحمل في طيّاته إمكانية الشفاء، شريطة ألا تظل تنكأه كل يوم.

خذ من ندمك ما يُعلّمك، ودع ما يُثقلك. لأنك لا تستطيع أن تعود إلى تلك اللحظة، لكنك تستطيع أن تقرر ماذا ستفعل باللحظة التي أنت فيها الآن.

وأحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله بندمك، هو أن تجعله السبب في أن لا تندم مرةً أخرى.


على أي شيءٍ تندم أكثر: على ما فعلته، أم على ما لم تجرؤ على فعله؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النفس البشرية