الانتظار: العمر الذي نعيشه بين قوسين


فكِّر كم من حياتك أمضيتَ تنتظر.

تنتظر أن تكبر. ثم تنتظر أن تنجح. ثم تنتظر أن تستقر. ثم تنتظر أن يتغير شيء. ثم تنتظر أن تجد من يفهمك. ثم تنتظر أن تجد وقتًا لنفسك. ثم تنتظر أن تكون جاهزًا.

وفجأة تلتفت خلفك وتجد أن كثيرًا مما مضى كان انتظارًا. وأن الحياة التي كنت تنتظر أن تبدأ، كانت تجري بهدوءٍ وأنت واقف.


الانتظار: طبيعةٌ أم اختيار؟

الإنسان الوحيد على هذه الأرض الذي ينتظر. الحيوان لا ينتظر، يتصرف. الطفل الصغير لا ينتظر، يمد يده ويأخذ. لكن البالغ، هذا الكائن الذي يعرف الكثير ويملك الكثير، يجلس وينتظر.

لأن الانتظار أسهل من المواجهة. أريح من القرار. أكثر أمانًا من المخاطرة. في الانتظار لا تخسر، لكنك أيضًا لا تربح. أنت فقط... واقف.

يقول صمويل بيكيت في مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو": شخصان ينتظران كل الوقت شخصًا لا يأتي أبدًا. وحين سُئل بيكيت: من هو غودو؟ قال: لو كنت أعرف، لكنت كتبت ذلك.

غودو هو ذلك الشيء الذي تنتظره أنت أيضًا. وربما لا اسم له.


ما الذي ننتظره فعلًا؟

حين تتأمل انتظارك بصدق، تجد أنه نادرًا ما يكون انتظارًا لشيءٍ خارجي. في أغلب الأحيان هو انتظارٌ لشيءٍ داخلي.

تنتظر أن تشعر بالجاهزية. تنتظر أن يختفي الخوف. تنتظر أن تصبح أقوى، أو أذكى، أو أكثر ثقةً بنفسك. تنتظر اللحظة التي ستكون فيها "أنت" بشكلٍ كامل.

لكن تلك اللحظة لا تأتي قبل البداية. تأتي بعدها.

الثقة لا تسبق الفعل، تتولد منه. والجاهزية لا تأتي قبل الخطوة، تأتي فيها. ومن ينتظر أن يكون مستعدًا تمامًا قبل أن يبدأ، سينتظر طويلًا جدًا.


الانتظار والزمن: سرقةٌ بالتراضي

الانتظار والزمن شريكان. لكنها شراكةٌ غير عادلة.

الزمن يمشي دائمًا. لا ينتظرك حين تنتظر. ولا يتوقف حين تتوقف. أنت تنتظر وهو يمشي، وحين تلتفت تجد أنك أعطيته من عمرك ما لم تقرر أن تُعطيه، بلا عقدٍ ولا استئذان.

الفيلسوف سينيكا كتب لصديقه منذ ألفي عام: "أنقذ نفسك قبل أن يفوت الأوان. اجمع الوقت الذي كان يُبدَّد ويُسرق منك. اقنع نفسك بهذه الحقيقة: الوقت الذي مضى ملكٌ للموت، والوقت الذي تعيشه الآن ملكٌ لك."

كلماتٌ كُتبت قبل ألفي عام وكأنها كُتبت هذا الصباح.


الانتظار الجميل والانتظار المُدمِّر

ليس كل انتظارٍ شرًّا.

ثمة انتظارٌ فيه حكمة. انتظار البذرة تحت الأرض قبل أن تشق طريقها. انتظار الجرح يلتئم قبل أن تمشي. انتظار العقل يهدأ قبل أن تتكلم. هذا انتظارٌ فيه نضجٌ لا خوف، وتريّثٌ لا هروب.

لكن ثمة انتظارٌ آخر. انتظارٌ يُشبه النوم المفتوح العينين. تبدو صاحيًا وأنت غائب. تبدو حاضرًا وأنت في مكانٍ آخر. تقول لنفسك "سأبدأ قريبًا" منذ سنوات، وكلمة "قريبًا" تتمدد وتكبر حتى تملأ كل الأفق.

الفرق بين الانتظارين: أحدهما يُعدّك للحياة، والآخر يحلّ محلّها.


من تنتظر؟

أصعب سؤالٍ يمكن أن تسأله لنفسك: من تنتظر؟

هل تنتظر شخصًا يأتي ويُغيّر حياتك؟ هل تنتظر ظرفًا يتحسن من تلقاء نفسه؟ هل تنتظر إذنًا من أحدهم لتبدأ؟ هل تنتظر نسخةً مثالية من نفسك لم تأتِ بعد؟

الإجابة الصعبة هي: لا أحد قادمٌ. لا المنقذ، ولا اللحظة المثالية، ولا النسخة الجاهزة منك. أنت، بكل نقصك وخوفك وارتباكك، أنت المتاح الوحيد. والآن هو الوقت الوحيد الموجود.


خاتمة

الانتظار ليس راحة. هو قرارٌ يبدو كراحة.

وأثقل ما في الانتظار أنه صامت. لا يُعلن عن نفسه. لا يقول لك: "أنت تضيع وقتك." يتركك تظن أنك تُفكر، وأنك تتأهب، وأنك على وشك البداية. ويمشي الوقت.

ابدأ. ليس لأنك جاهز، بل لأنك لن تكون جاهزًا أكثر مما أنت عليه الآن. ليس لأن الوقت مناسب، بل لأن الوقت المناسب الوحيد هو الذي لا يزال بين يديك.

لأن آخر ما تريد أن تندم عليه، هو أن تكتشف في نهاية المطاف أنك أمضيتَ حياتك تنتظر أن تبدأها.


ما الشيء الذي تنتظر منذ زمنٍ طويل، وتعرف في داخلك أن الانتظار لن يُغيّره؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النفس البشرية